منذ تأسيس الحزب الديموقراطي الكوردستاني في كوردستان العراق عام 1946 بقيادة المرحوم مصطفى البارزاني , والمرأة تشكل احدى دعائم الحزب في النضال و الكفاح المسلح في الكهوف وأتون الحروب الضارية مع الحكومات العراقية التي توالت في حكمها على قمع الشعب الكوردي , من ينظر الى كوردستان الحالية لا يتصور ان ما مر به هذا الاقليم هو من نتاج ثورات وحركات تحررية كانت اهدافها تتركز في تحرر الانسان من العبودية والذل والهوان سواء كان رجلا أم امرأة .

تعاقبت الثورات على الشعب الكوردي كثورتي ايلول عام 1961 وكولان عام 1975 وبطبيعة الحال فأن النسبة الكثيرة من الرجال كان منهمكا في الانخراط في صفوف المقاتلين اما المرأة فقد كانت تلعب دورين وتشغل حيزين في المجتمع وليس حيزا واحدا فقط، في البيت كزوجة وام ترعى اولادها وفي الجبل منخرطة في صفوف المناضلين والمقاتلين والمفكرين احيانا، وهنا لا اود ان أنتقص من دور الرجل بل بالعكس فما يستوجب تبيانه هو عقلية و تفكير الرجل الكوري ونظرته التقدمية في الاهتمام بالمرأة واشراكها في ميادين الحياة كافة بمعنى تحسيسها بأهميتها ودورها في المجتمع، فأن اخذنا ثورة ايلول عام 1961 على سبيل المثال لا الحصر، نجد انها حملت في جعبتها تغيرا مشهودا في تاريخ النضال الكوردي , فجميع الثورات السابقة للكورد لم تكن تستند الى قاعدة فلسفية معينة كالثورات التي كانت تنبثق في اوربا والعالم الخارجي وذلك لافتقارها الى الذهنية الفلسفية الخاصة بها وبظروف تكوينها و نشأتها لذا فقد بقيت تتأرجح بين المفاهيم الرجعية والافكار الدينية البحتة او الاشتراكية و الماركسية اليسارية، لكن مصطفى البارزاني قائد الحركة التحررية للكورد و مؤسس فكرة الديمقراطية للعراق و الحكم الذاتي للكورد, استطاع تجاوز هذه المرحلة وتخطي حدود افاق الفكرة النمطية المعهودة وتحويل مجرى الحركة النضالية الكوردية من حركة كانت ترضخ في ولائها الى شخصية القائد او الزعيم الاوحد الى نطاق اوسع واشمل وهو نطاق المؤسسة الحزبية بأطرها العامة وقوانينها الداخلية الثابتة ومبادئها الاساسية وبرامجها التثقيفية والتنظيرية التي لا تتغير بتغير الفرد او القائد، هذا التحول المنهجي يعد بمثابة السد الذي حول مجرى نهر النضال من التبعية الى الصفة المدينة.

و من بين البرامج التثقيفية التي انتهجها الحزب الديمقراطي الكوردستاني و القيادة الكوردية , الاهتمام المرأه ودمجها في الحياة الجديدة واشراكها في العمل السياسي كموجهة للطبقة النسوية تارة ومعلمة لمباديء الحزب واهدافه تارة اخرى لشريحة الشباب ابتداء من اولادها وانتهاءا بطلاب المدارس. فمنذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي بدأت المرأة في الظهور بالمجالين السياسي والعسكري معا واستمرت إلى ان وضعت الحروب اوزارها عام 1991 أبان الانتفاضة الشعبية في كوردستان العراق واصبحت المرأة تتمتع بكامل حقوقها المدنية و المهنية و السياسية بمعنى ان ابواب السياسةانفتحت على مصراعيها للنساء في كوردستان والساحة السياسية امتلئت بالناشطات السياسيات وعضوات الحزب الديموقراطي الكوردستاني يشغلن مناصب رفيعة في داخل كوردستان وخارجه كمستشارات و وزيرات و ممثلات دبلوماسيات في الخارج . فالتخلص من الرجعية والنمطية في الحياة حسب الفلسفة التي انتهجها البارزاني الاب ارتقت بالمجتمع الى مراتب عليا لايمكن حصرها او سردها عبر بضعة كلمات في صفحة ورقية ومن يزور اقليم كوردستان يلمس هذه الحقيقة وهذا الواقع بنفسه.

واليوم اذا يستعد الحزب الديمقراطي الكوردستاني ,, حزب الاغلبية في اقليم كوردستان , لمؤتمره الثالث عشر في شهر نوفمبر المقبل ,ارتات الشريحة الشابة من القيادة البارزانية ان ترفع من مستوى تمثيل المرأة في القيادة السياسية للحزب لتكون النبع الذي يرفد الحكومة والرئاسة بكوادر نسوية مؤهلة لقيادة الاقليم مستقبلا مع الاخذ بنظر الاعتبار كفائة المراه و مدى أهليتها لمناصب المسؤولية مستقبلأ.

فالتوجهات تشير الان الى ارتفاع نسبة مشاركة المراة في القيادة السياسية الى الربع ودون الاستناد الى نظام الكوتا ,و اصبحت المرأة تساوي الرجل في مقياس السياسة اي ان المرأة تنتخب ولا تنصب كما كان في الماضي . وان قمنا بمقارنة في احوال المراة بين بقية اجزاء العراق, نرى ان هناك تقدما ملموسا في مسيرة النهوض بواقع المرأة العراقية والتي اوقدت شرارتها في اقليم كوردستان لتمتد الى باقي مناطق العراق لكون المراة الكوردية تمثل الاقليم في مجلس النواب العراقي و الحكومة الاتحادية في بغداد وبذا تكون التوقعات قد فاقت حدود التصورات فان وصلت المراة الى المكتب السياسي لأكبر و اثقل الاحزاب المتواجدة على الساحة الكوردستانية فلا نستبعد ان تبوء المراة اعلى المناصب السيادية في الغد القريب.

ما يمر به الاقليم من انفتاح سياسي واقتصادي على العالم الخارجي يستوجب تهيئة العنصر النسوي للحاق بركب المدنية و عصر العولمة و المراة لا تقل شأنا عن الرجل الذي كان في الاساس صاحب نظرية التطور بالمرأة و اعطائها حقها في ممارسة الحياة السياسية .

ان عدنا بالتاريخ الى الوراء قليلأ نجد ان مصطفى البرزاني او البارزاني الخالد كما يلقب في جل انحاء كوردستان ,كان ينحدر من اصول عشائرية و ينتمي الى اعرق و انبل العشائر الكوردية المقيمة في كوردستان و تناوب اجداده على رئاسة العشيرة البارزانية و نما على احترام شعائر العشيرة منذ نعومة اظفارة بالاضافة الى كونه رجلأ عالمأ بفقه الدين و علومه بحكم نشأة ابن العشيرة انذاك , وهنا نأتي الى توضيح الفكر الفلسفي لهذا الرجل الذي عاش ومات في كنف الجبال وكهفوها او مشردا في بلاد لم يلق فيها الا ما صعب تحمله , وبرغم تلك الصعوبات والمفارقات اللا منتهية في حياة هذا الرجل فقد بدأ تنظيره للحزب الديمقراطي الكوردستاني عند بدايات تأسيسه بالتركيز على العنصر النسوي كساعد ايمن وظهير قوي في الحزب والسياسة عموما راجعا الى اصوله ونشأته الدينية وتعمقه في الفكر الاسلامي الصحيح وفهمه لاصول الاسلام ونظرة الاسلام الى المرأة وتاريخها المشرف في الاسلام عند مشاركتها في الحروب الى جانب النبي عليه افضل الصلاة والسلام وكذلك انخراطها في مجالات الحياة العملية كالتجارة مثل زوجة النبي خديجة رضي الله عنها والتي لعبت دورا اساسيا في حياة النبي ( ص ).

ومن هنا يظهر عمق التفكير والقراءات الواقعية لفلسفة مصطفى البارزاني الذي استطاع بموجبه ان يربط الماضي بالحاضر ويسمو بالمجتمع الكوردي الى مساف المجتمعات المتحضرة مطورا بذلك الفكر النسائي دون المساس بالمعتقدات التاريخية او الخروج عن اطر وتقاليد المجتمع الشرقي، الامر الذي يوضح مدى عظمة البارزاني ورؤيته المستقبلية عند وضعه حجر الاساس لبنية اجتماعية صحيحة للمجتمع الكوردي والذي بدت نتائجه واضحة للعيان عبر الازمنة وما نعيشه حاليا في كوردستان هو من نتاج ما بدأه البارزاني الاب ويحاول احفاده الحفاظ على تلك الهوية الفلسفية الصحيحة للحزب وتطبيقها عمليا على المجتمع بمؤسساته المدنية والحكومية .

وهنا تستوقفنا نقطة نظام ,,,, كثيرا ما واجهت العائلة البارزانية الاتهامات بتوارثهم للسلطة والحكم في البلاد لكن الواقع يختلف تماما عما يشاع او يقال في اوساط اما ان تكون جاهلة بواقع الحال او كانت بعيدة تمام البعد عن ظروف كوردستان وتاريخها التكويني والسياسي ايضا , والقليل من القراءة الدقيقة والاستناد الى الكتب التاريخية المنصفة تقي الجميع شر نعت الغير بما لا يليق , فتوارث الانساب على الحكم او السلطة غير وارد ولا اساس له من الصحة ولا مجال لقبوله او الرضوخ له في المجتمع الكوردي والانتخابات النيابية والرئاسية في الاقليم خير شاهد على واقع الحال , فمن ينتخب هو من يحكم والقرار عائد الى الشعب لا الى عائلة او عشيرة معينة وتجري الانتخابات وسط اصوات المعارضة التي تملك حصة لا بأس بها في المجالس النيابية اذا فلا توارث لسدة الحكم عند البارزانيين وما يتوارث هو النضال ولا شيء غيره فهم اصحاب نظرية وفلسفة العمل والتضحية للوصول بكردستان الى بر الامان.

والنضال له أوجه عدة فبالأمس كان نضالا وكفاحا مسلحا واليوم نعني به تأسيس منطقة او اقليم امن مستقر بعيد عن المشاكل وتوفير الحياة الكريمة لشعب طالما عانى الامرين من جراء الحروب والمهالك والويلات والبحث عن كل السبل المتاحة للنهوض بالمجتمع والدخول في عولمة الحياة و صومعة السياسة الجديدة التي تمخضت نتائجها بوصول الكورد الى مشارف الدبلوماسية العالمية ووصول المرأة الى سدة الحكم .....